السيد كمال الحيدري

14

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

الإلهية كافياً في نظر دُعاة الترجمة فآلوا إلى تشويش وتشويه ذائقة المتلقّي . وهكذا بدأت الحركة التشكيكية تتحرَّك بقوّة وتستشري في جسد الأمّة لاسيّما وأنَّ جملة من تلك الأدوات الأرسطية قد ارتدَت غطاءً شرعياً بواسطة متفقّهة الدولة آنذاك ، الذين غلب عليهم فقدان الذوق العربي « 1 » والميل إلى تقعيد العلوم الدينية والأدبية بنحو فقدت جملة منها هدفها وغايتها وتحوّلت إلى مجرّد قوالب خاوية . ما نُريد أن نخلص إليه هو أنَّ حركة الترجمة التي نهضت بها حكومة بني العبّاس وادّعت فيها النصرة للعلم قد جلبت معها عواصف التشكيك وفتحت نوافذ البدع التأويلية والضلالات لتنشأ بعدها ، بصورة حتمية وتلقائية ، فكرة القراءات المختلفة ونسبية الحقِّ ، ولتقف بعد ذلك موقف المتفرّج تارة من ضلالات تترى ، وموقف الناصر لدين الله وسنّة الرسول صلّى الله عليه وآله تارة أُخرى ! وليشتغل العلماء - الصالح منهم والطالح - بالردّ وردّ الردّ ! ثمّ يشتغل من يأتي بعدهم فيما كتبوه ، وفي طيّ ذلك تُشقُّ الأنهر الجديدة لمذاهب ومدارس جديدة في الكلام والفلسفة والعرفان ، والأهمّ أو الأخطر من ذلك كلّه هو انعكاس ذلك جملةً وتفصيلًا على قراءة القرآن والسنّة الشريفة ، لتمتلئ المكتبات الإسلامية بالتفاسير الفلسفية والصوفية والعرفانية ، حتى يصل المطاف ببعضهم إلى اعتبار تفسير القرآن بالسنّة ضرباً من التفسير بالرأي إذا كان من باب احتياج القرآن إلى الغير « 2 » ! فلا النبيّ صلى الله عليه وآله مُفسّر ولا أهل بيته عليهم السلام مُفسِّرون ، فضلًا عن الصحابة

--> ( 1 ) إنّ الأعمَّ الأغلب من فقهاء ومحدِّثي مدرسة الخلفاء هم من العجم الفرس ، وقد غلب على الفرس الميل الواضح إلى الفلسفة والمنطق . ( 2 ) يُنسب ذلك للسيد الطباطبائي . انظر : رابطة متقابل كتاب وسنّت - العلاقة المتبادلة بين الكتاب والسنّة - للدكتور علي نصيري : ص 254 . .